مركز البحوث الصحراوية بتركز .. مجد علمي تحت أنقاض الإهمال

boujemaa boulaajailiآخر تحديث : الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 10:59 صباحًا
مركز البحوث الصحراوية بتركز .. مجد علمي تحت أنقاض الإهمال

شيّدت سلطات الاستعمار الفرنسي، في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، مركزاً للأبحاث العلمية الصحراوية في جنوب المغرب، وتحديدا في منطقة عوينة الهنا (تركز) على بُعد 54 كيلومتراً غرب مدينة آسا.

وكان هذا المركز، الذي يعد الأول من نوعه في جنوب المغرب، قبلةً للباحثين والعلماء ومختبراً علميا دوليا أُنتجت من خلاله العشرات من البحوث والكتب العلمية حول الطبيعة والحياة البرية في الصحراء المغربية.

وأشرف على إنشاء هذا المركز حينها العالم الفرنسي Jean-Bertrand Panouse، والذي كان يشغل مديراً للمعهد العلمي الشريف بالرباط، وأستاذا في جامعة بوردو. وقد اختار برتران لتشييد هذا المركز العلمي موقعا استراتيجيا مطلا على واد درعة وبالقرب من منبع مائي وواحة صغيرة، على بعد كيلومترات من قرية عوينة تركز المعروفة حالياً بعوينة الهنا.

وشُيد المركز وسط ثكنة عسكرية محصنة بأسوار تتخللها أبراج مراقبة وأقواس بتصميم يحاكي المعمار المحلي وتضم أجنحة كثيرة ومكاتب ومرابض للخيول ومخازن للماء، وبدأت أشغال بنائه في مارس 1935 واستغرقت عاما كاملا.

خراب بعد أمجاد علمية

تضم بناية المركز عدة أجنحة منها مكاتب ومختبرات وقاعات للراحة والضيافة ومكتبة ومرافق أخرى.

زُوّدت هذه المعلمة حينها بأحدث التجهيزات العلمية المتوفرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وتم توفير كل وسائل الراحة والعمل العلمي والبحثي وفق مواصفات دولية، وتم استثمار قوة الرياح التي تهب باستمرار على المنطقة لتوليد الطاقة الكهربائية من خلال توربين هوائي يبلغ طوله أكثر من عشرة أمتار.

اليوم، لم يبق من كل هذا المجد العلمي الغابر إلا الخراب، ونخلتين شامختين على بوابة المركز غرسهما مشيدو هذه البناية التاريخية، لا تزالان تقاومان تقلبات الزمان والمناخ في منطقة قاحلة.

داخل البناية، قاعات ملأتها الأتربة والغبار تئن من وطأة الإهمال والخراب وعبث الغرباء، لم يتبق وسطها إلا ثلاجة عتيقة كانت من محتويات المركز من النوع القديم الذي يشتغل بالغاز.

ويقول عمر لخروف، ابن المنطقة المسؤول على هذا المركز العلمي، إن “نشاط هذا المركز البحثي والعلمي استمر منذ تأسيسه سنة 1936 إلى غاية منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وتم ترميمه في نهاية الخمسينيات بأمر من السلطان محمد الخامس رحمه الله ومن ماله الخاص”..

ويضيف المتحدث قائلا: “بالرغم من أن المركز تعرض لسرقة بعض محتوياته في بداية الستينيات، فإنه استمر في عمله ونظمت فيه مؤتمرات دولية، وأنجزت فيه أبحاث، وكانت تزوره باستمرار بعثات علمية تضم علماء وباحثين من القارات الخمس، ولا تزال ارتساماتهم في الدفتر الذهبي للمركز شاهدة على ذلك”.

المسؤول على هذا المركز العلمي كشف أن هذا الأخير “يشرف عليه حاليا المعهد العلمي بالرباط التابع لجامعة محمد الخامس، وكان يشهد نشاطا علميا وإنتاجا غزيراً في مختلف فروع العلوم الطبيعة والإحياء وعلوم الأرض والزلازل، وظل طي النسيان والتهميش إلى حدود بداية التسعينيات حيث تم إنشاء محطة لرصد الزلازل من لدن المعهد العلمي بالرباط لم يكتب لها الاستمرار وتم سحب معداتها سنة 1995، وأعيد تثبيت محطة أخرى للغرض ذاته سنة 2006 بتمويل من الجامعة التقنية في لشبونة البرتغالية، إلا أن المحطة ظلت هي أيضا طي النسيان والإهمال ولا تزال إلى اليوم تنتظر من يعيد إليها الحياة”.

وأضاف ابن المنطقة أن “محتويات ومعدات المركز الثمينة الخاصة بالمختبر ذات القيمة العلمية والتاريخية لا تزال محفوظة بأمان، بعد أن تم إنقاذها سنة 2014 من الإتلاف والخراب نتيجة تساقط أمطار عاصفية أدت إلى فيضانات وغمرت المياه بناية المركز وتهاوت أجزاء كبيرة من أسواره”.

وأشار عمر لخروف إلى أن “المركز عاش عقودا من النسيان طالبنا فيها المسؤولين، عبر ملتمسات وشكايات، بالعناية بهذا الموروث العلمي والتاريخي الثمين؛ إلا أن دعواتنا، حينها، لم تحظ بأي اهتمام”.

جهود لإعادة الحياة للمركز

يرى ميشال إيمريش، وهو فرنسي متخصص في الحياة البرية الصحراوية وأحد المهتمين بهذا المركز، أن “هذه المحطة العلمية تكتسي أهمية كبيرة؛ لأنها توجد في منطقة درعة السفلى، وهي منطقة جغرافيا للعبور إلى الصحراء الواقعة جنوب جبال واركزيز، وهي بمثابة مجال بيولوجي غني ومتنوع، توجد فيها أنواع نادرة من أصناف الوحيش والحيوانات البرية والحشرات والزواحف، تضمن استمرار النظام البيئي في المنطقة الذي يتعرض للاستنزاف المستمر”.

وأضاف الباحث الفرنسي، في حديث لجريدة هسبريس الإلكترونية، أنه “لولا هذا المركز لما ظهرت إلى الوجود بحوث قيمة وكتب شهيرة في مجال العلوم الطبيعية والحيوانات في الصحراء المغربية كالكتاب الشهير ” Sahara, milieu vivant” لمؤلفيه Yves وMauricette Vial .

وأّسس إيمريش هو وصديقه الحسن المهرواي، أحد أبناء المنطقة، بالخارج جمعية تضم أصدقاء المركز وتجمع باحثين ومهتمين بالدارسات الإيكولوجية الصحراوية ونظمت هذه الجمعية عدة ندوات ولقاءات علمية ذات علاقة بهذا المركز.

ويرى إيمريش أن “تتجاوز المحطة دورها السابق في اكتشاف أصناف الكائنات البرية بالمنطقة؛ لأن هذا دور أعتقد تجاوزه الزمن”، ويقترح أن “تكون مركزا لاستضافة للعلماء الطبيعيين المغاربة والأجانب المتمكنين في هذا المجال في شكل تعاون لتعزيز توطين الأصناف البرية المهددة بالانقراض وحمايتها من الصيد الجائر”.

يذكر أنه، في ماي سنة 2004، جرى تشييد بناية جديدة قرب المركز القديم بحضور عامل الإقليم حينها والسلطات المحلية وعلماء من داخل المغرب وخارجه، نقل إليها جزء من محتويات المركز من مجلات وكتب علمية وبحوث وعينات من الأحجار وخرائط ووثائق تتعلق بنشاط الزلازل بالمنطقة، إضافة معرض للصور تضم بعض الأصناف من الحيوانات البرية والزواحف التي تتمز بها المنطقة.

آمال وتحديات السياحة العلمية

من جهته، قال متحدث من مكتب الاتصال التابع للمجلس الإقليمي لأسا الزاك أن “المجلس يستعد لإعادة تأهيل هذا المركز العلمي في إطار اتفاقية شراكة موقعة بين كل من المجلس الإقليمي لأسا الزاك وبين الجماعة القروية عوينة الهنا وجامعة محمد الخامس بالرباط”.

وأضاف المصدر، في حديث لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذه الشراكة هي من توصيات المناظرة الإقليمية للتنمية التي عقدت بأسا في شهر ماي الماضي، وتروم إعادة ترميم هذه المعلمة، لتقوم بأدوارها العلمية والثقافية والبحثية من جديد”.

وأشار المسؤول ذاته إلى أن “المجلس الاقليمي لأسا الزاك لم تكن لديه الصلاحيات القانونية للتصرف في هذه المحطة العلمية في السنوات الماضية”.

وعبّر عمر لخروف، المسؤول عن هذه الوحدة العلمية، عن “تفاؤله بالمشاريع المنتظرة من خلال هذه الاتفاقية مع جامعة محمد الخامس” والتي جاءت، وفقا للمتحدث، “بعد جهود وتواصل مستمر من قبلنا بالتعاون مع رئيس المجلس الإقليمي لأسا الزاك مع المسؤولين، بعد سنوات من التهميش وانتظارات لإعادة الحياة إلى هذه المعلمة التاريخية والعلمية”.

وأوضح المسؤول، في حديث لهسبريس، أن الزيارات الأولى من المنتظر أن تبدأ في شهر شتنبر المقبل من لدن بعثات من جامعة محمد الخامس استعداداً لإطلاق مشاريع ترميم وتأهيل وإعادة الروح إلى المركز.

ويضيف ابن المنطقة أن من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية لنشاط السياحة العلمية والثقافية بالمنطقة، وهي مؤهلة لتكون واجهة سياحية برية تنضاف إلى الواجهات السياحية البحرية في جهة كلميم واد نون، لما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وعلمية ستوفر للسكان موارد اقتصادية تشجعهم على الاستقرار في منطقة ذات مناخ شبه صحراوي تشهد هجرات سكانية مستمرة.

محمد أكينو من كلميم 13-غشت-2017 13:00

2017-08-23 2017-08-23
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة تركز بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

boujemaa boulaajaili